
الأخطاء الطبية
ينبغي أن نُحقّق لنحاسب المسؤول، ونتعلّم حتى لا تتكرر المأساة… والأهم أن نُصلح المنظومة
("وشهد شاهد من أهلها")
أتابع مثل الجميع موجة الغضب التي أثارتها في الأيام الأخيرة وفيات مؤلمة لنساء في سياق الولادة، وما صاحبها من حديث واسع عن «الأخطاء الطبية».
وأعتقد أن أول واجب تجاه من فقدناهم وتجاه أسرهم هو التقصي الجاد والمحايد: ماذا حدث؟ أين حدث الخلل؟ وهل كان بالإمكان تفاديه؟
فإذا ثبت خطأ، ينبغي أن يتحمل صاحبه مسؤوليته. ليس انتقاماً منه، وإنما إنصافاً للضحية، وحمايةً للمريض القادم.
وفي المقابل، التحقيق نفسه هو الذي ينبغي أن يحمي من لم يخطئ. فلا يجوز أن تكون النتيجة المأساوية وحدها حكماً بالإدانة، ولا أن تُستباح أعراض أطباء وممرضين على مواقع التواصل قبل أن نعرف الحقيقة.
نريد تحقيقاً يعرف به المخطئ فيحاسب، ويعرف به البريء فيُنصف، وتعرف به أسباب الخلل حتى لا يتكرر.
لكنني، بحكم معرفتي بالقطاع، أخشى أن نقف عند هذا الحد.
لأنني أعرف جانباً من المشكلة، ويؤسفني أن أقول إن بعض أسبابها ليس فردياً فقط، بل مؤسساتي أيضاً.
وما يؤلمني أكثر أننا لم نكن بحاجة إلى انتظار مأساة حتى نكتشفه.
بعض نقاط الضعف معروفة، وبعض الحلول معروفة، وبعض الكفاءات القادرة على المساهمة في هذه الحلول موجودة بيننا أو قريبة منا… لكننا كثيراً ما لا نتذكرها إلا ساعة المحنة.
«وفي الليلة الظلماء يُفتقد البدر».
ومن هنا أريد أن أتناول الموضوع من جهتين: لماذا تتكرر بعض مواطن الخلل داخل المنظومة؟ ولماذا لا نحسن استثمار الكفاءات النادرة التي يمكن أن تساعدنا على منع بعضها قبل وقوعه؟
وهنا تحضر في ذهني قصة كفاءة موريتانية كنت، منذ مدة، أتمنى أن نستفيد منه أكثر.
انه الأخ والزميل الدكتور الطموح ، ما شاء الله ،عبد الله عابد الذى أستطاع بفضل الله أن يشق لنفسه طريقاً في واحد من أكثر تخصصات الطب الحديث دقة وتعقيداً و"نخبوية": الأشعة التداخلية(Radiologie interventionnelle)، وأن يعمل ويتكون داخل فرق فرنسية متقدمة تمارس تدخلات لا يدخلها الطبيب إلا بفرصة و بعد تكوين طويل وخبرة وثقة مهنية كبيرة.
وصل إلى بيئات طبية مرجعية مثل Gustave Roussy وGeorges-Pompidou وCentre Hospitalier Sud Francilien، ثم إلى مجالات دقيقة في التدخلات الوعائية والعصبية.
وبالنسبة لي، حين يستطيع موريتاني أن يصل إلى هذا المستوى في تخصص بهذه الندرة، فإن الأمر يتجاوز نجاحه الشخصي.
مثل هكذا خبرات تعتبر بدون مبالغه كنوزا قومية.
ما علاقة تخصصه بهذا الموضوع؟
من القدرات المذهلة لتخصصه، الأشعة التداخلية، هي أن الطبيب يستطيع، في حالات مختارة، أن يدخل بقسطرة دقيقة إلى الشرايين المسؤولة عن النزيف ويغلقها.
وأحياناً تكون المرأة أمام خيار قاسٍ: النزيف لا يتوقف، وحياتها في خطر، فيضطر طبيب النساء إلى استئصال رحمها لإنقاذها.
لكن في بعض الحالات المناسبة، ومع وجود الفريق والتجهيز والوقت المناسب، يمكن لانصمام الشرايين أن يوقف النزيف.
فننقذ المرأة…. و ننقذ رحمها أيضاً.
وهذا ما يستطيع بإذن الله عبد الله وأمثاله أن يفعلوا .
الدكتور عبد الله يشتغل فى فرنسا وبامتيازات مريحة نسأل الله أن يبارك له. ومع ذالك لم يهنئ باله لذالك بسبب ما يصله من كثرة ما يفقد من رحم ونفس فى وطنه فقرر بمحض إرادته السعى لكي يفيد وطنه بالرجوع إليه ولو دوريا.
سأمر سريعا على تفصيل عدم الترحيب به وبتخصصه ! ولا الوعي بالقيمة المضافة.
مما كنت شاهدا شخصيا عليه اتصالي بوزيرين للصحة، من وزراء الصحة مظنة الإصلاح، والحديث لهم عن أهمية تخصصه من حيث إنقاذ الأرواح ، ولإقناعهم أكثر شرحت لهم ما قد يفيدهم هذا من ناحية الإنسجام مع أهداف الصحة العمومية من تقليل وفيات ومن الناحية السياسية من حيث الإنجاز.
فى كل مرة تفهموا الأمر وأعطوا موعدا للدكتور عابد والتقوا به لكن دون أن يكون لذالك إنعكاس عملي على الإستفادة من خبرته.
أكتتب الدكتور عابد فى الوظيفه العمومية ولا يزال يناضل جاهدا ليفيد ويُستفاد منه هنا وهناك فى مختلف الأقسام، إستفادة لا تصل بالنسبة ل 5% مما يمكن أن يفيد به فى حال مُكن مما يلزم من الصلاحيات والموارد.
قصة د عابد وغيره تسلط الضوء على مشاكل منهجية وبنيويه فى تسيير المنظومة :
نبحث عن الجهاز عندما يصبح المريض بين الحياة والموت.
ونتذكر قيمة بعض كفاءاتنا عندما تضيق الخيارات.
ولهذا أرجو ألا تضيع هذه الأزمة
إذا انتهى النقاش الحالي بأن نعثر على طبيب أو ممرض نحمله كل الغضب، ثم نسكت، فقد خسرنا فرصة كبيرة.
حاسبوا المخطئ، هذا حق المريض وحق المجتمع.
لكن أصلحوا أيضاً ما يجعل الخطأ ممكناً:
اسألوا عن الدم قبل أن تسألوا فقط عن الطبيب.
اسألوا عن البروتوكول.
عن التخدير والإنعاش.
عن سرعة الإحالة.
عن غرفة العمليات.
عن القسطرة.
عن التنسيق بين المستشفيات.
وعن الدقائق التي ضاعت بين قرار وقرار.
فأحياناً لا يقتل المريضَ خطأُ شخص واحد.
تقتله سلسلة من الأشياء الصغيرة التي لم يقم بها أحد في الوقت المناسب.
ولو كان لي أن أرفع من هذه الأزمة رسالة إلى أعلى هرم الدولة
فسأقول: لا تجعلوا هذه الوفيات مجرد ملفات للتحقيق.
اجعلوها نقطة تحول.
أنشئوا منظومة وطنية حقيقية للتعامل مع نزيف ما بعد الولادة -وغيره -.
حددوا مركزاً أو مركزين مرجعيين يعملان على مدار الساعة، تتكامل فيهما النساء والتوليد، والتخدير والإنعاش، وبنك الدم، والجراحة، والأشعة التداخلية.
ثم ابحثوا عن الكفاءات المناسبة بغض النظر عن جميع الإعتبارات الأخرى. لينقلوا الخبرة و يؤسسوا الخدمة ويدربوا آخرين ويضعوا البروتوكولات ويساعدوا في اختيار المعدات ويتابعوا الفرق المدربة.
حين تموت امرأة أثناء الولادة، من الطبيعي أن نسأل: من أخطأ؟ ويلزم أن نحدد الأسباب المباشرة وغير المباشرة ؟
لكن الدولة ينبغي أن تسأل سؤالاً إضافياً:
ماذا كان يمكن أن نفعل لتفادى ما حدث؟ وماذا ينبغى أن نعمل لكي نتجنب تكرار الأمر فى المستقبل؟
فأقسى الأخطاء ليست دائماً تلك التي نرتكبها.
أحياناً يكون أقساها حلاً عرفناه، وكفاءة امتلكناها، وفرصة كانت أمامنا… ثم أجلناها حتى احتجنا إليها في ليلة ظلماء.
ولم أرى فى عيوب الناس عيبا
كنقص القادرين على التمام



.gif_pagespeed_ce_EybNdXZut_.gif)
