التجربة و الفعالية: أَتَّيَّه Étai ou Étaie / جدو ولد خطري | 28 نوفمبر

التجربة و الفعالية: أَتَّيَّه Étai ou Étaie / جدو ولد خطري

خميس, 17/09/2026 - 13:14

لو دارت كاميرا في نواذيبو أواخر التسعينيات وبداية الألفية، لالتقطت مدينة تتنفس من البحر. العاصمة الاقتصادية ، شاطئية معتدلة المناخ، أهلها حميميون، منفتحون، أولو كرم. شوارعها يختلط فيها عبق الملح بالسمك بالديزل، وميناؤها لا يعرف السكون: سفن صيد صناعية ضخمة، وقوارب تقليدية تتمايل كأنها قطعة من حكاية، وأسواق تعجّ بكل شيء حتى الضجيج. وفي الشوارع حركة لا تهدأ، والبنوك مفتوحة، والإدارات الخدمية تعمل، وتصدير الأسماك متواصل.

وكان التوقيف البيولوجي للصيد قد بدأ، فامتلأت المدينة بالبحارة: بعضهم يجهّز سفره إلى أهله في الداخل، وبعضهم بقي. نهارًا أوروبيون وآسيويون وبحارة، كأنها ميناء الدنيا كلها؛ وليلًا مسيرات أفراح ومواكب زواج، وضحك يعلو فوق صوت البحر.

في أحد الأيام النموذجية، كان الضباب مسدلًا لا ينقشع إلا عند الظهيرة. زرتُ صديقي رجل أعمال: ذكيًا فطنًا، بسيطًا متواضعًا، لا تفارقه الفكاهة. كان مكتبه جزءًا من مستودع كبير تملؤه أدوات البناء، والمدينة في أوج حركة البناء. أمر عاملًا بإعداد الشاي. وبينما كنا نتحدث، دخل زبون يسأل بالفرنسية عن أعمدة تحمل البناء: «étais». ومن مرآة المكتب كنا نرى البضاعة: نوع أصفر فاقع، جديد لم يُستخدم، مرصوص بعناية، ونوع أزرق يبدو مستخدمًا.

قال التاجر:
– تريد شراءها أم كراءها؟
– شراء.
– الجديد أم المستخدم؟
– بكم الجديد؟
– أربعة آلاف أوقية ( مثلا لم اعد أتذكر )
– والمستخدم؟
– الواحد بستة آلاف أوقية ( مثلا ).

عبس الزبون، ومسح جبينه:
– هل فكرت فيما قلت؟ كيف يكون المستخدم أغلى من الجديد، ومكتوب عليه صناعة أوروبية؟

أجاب صديقي بهدوء:
– المسألة بسيطة. المستخدم جرّبناه، ونعرف أنه يحمل. هذه الزرقاء كلها مجرّبة: قوية، سلسة، منقّاة؛ عزلنا غير الجيد وأبقينا المجرّب. أما الجديد فلم يُجرّب. إن أخذتموه، فأنتم تجرّبونه على مسؤوليتكم.

– وماذا فعلتم بغير الجيد؟
– يصير عمود " أَمْبَّار "، أو وتدًا  خيمة او  ( دارُوكت ) "دركت أحمار" … أو ما شابه.
وضحكنا.

ثم أضاف:
– وهل عامل مجرّب يتقن عمله كيافع لا يعرف شيئًا؟ وهل بقرة حلوب عُرف درّها كأخرى لم تُجرّب بعد؟

سكت الزبون قليلًا، ثم خرج يفكر. أما أنا فضحكت. وبقي الضباب فوق نواذيبو، بطيئًا كأنه يرفض أن يبدأ النهار.

وفي ذلك المستودع، لم يكن فرق السعر عبثًا: الأصفر فاقع لامع، والأزرق مستخدم، ومع ذلك كان الأغلى. لأن الأزرق جرّبناه فعرفنا أنه يحمل؛ ثُبّت فثبت، وحُمّل فحمل، وخرج من التجربة كما هو. أما الجديد فوعد، والوعد لا يُبنى عليه سقف. وما يصدق على مستودع يصدق على بناء أكبر: فالمسؤولية حِمل يُوضع على عمود، والسقف الذي لا يسقط هو الذي عُرفت أعمده قبل أن تُحمل.

ولو أنصفنا البناء، لما قدّمنا الأنيق على المجرّب، ولا الوعد على السجل. فالكفاءة ليست زينة مجالس، ولا مجاملة قرابة، بل معيار من يُسأل. وحين يُختار صاحب السجل، تحفظ المؤسسة هيبتها، ويثق الناس، ويعرف الجيل القادم أن الطريق يمر بالعلم والتعب. وهكذا يُبنى البيت الذي لا يسقط، وهكذا تُبنى الدولة التي تُؤتمن.

غير أن التجربة ليست احتكارًا لكبار السن، ولا عقوبة على الشباب. هي سنون من حمل المسؤولية الصغيرة قبل الكبيرة: خطأ مُصلَح، وأزمة أُديرت، وقرار دُفع ثمنه. فما أحوج الشباب إلى أن يُمنحوا الثقة بالتدريج، في المواقع التي تُصنع فيها الرجال، لا في المواقع التي تُهدَّد فيها الدولة.

فهناك مواقع تُتعلَّم، وأخرى لا تُجازف بها: الأمن، والمال العام، والقضاء، وإدارة الأزمات. والفرق بينهما هو الفرق بين أن تتعلم على الحساب، وأن تتعلم على حساب الناس.

فإن سألتم عن ثمن البناء الذي لا يسقط، فهو ثلاثة: كفاءة، وتجربة، ومساءلة.