لحراطين... شريك أصيل في بناء موريتانيا ومستقبلها\ مامونى ولد مختار | 28 نوفمبر

لحراطين... شريك أصيل في بناء موريتانيا ومستقبلها\ مامونى ولد مختار

اثنين, 20/07/2026 - 11:26

لا يمكن قراءة تاريخ موريتانيا قراءةً منصفة، ولا استشراف مستقبلها بثقة، من دون الاعتراف بدور لحراطين في بناء المجتمع والدولة. فقد كانوا، عبر مختلف المراحل، جزءًا أصيلًا من النسيج الوطني، وأسهموا في الزراعة والرعي والحرف التقليدية والتجارة، ثم امتد عطاؤهم إلى الإدارة والتعليم والقضاء والجيش والأمن والإعلام والعمل السياسي، فكان أبناؤهم شركاء في خدمة الوطن وبناء مؤسساته.
ومع تطور الدولة الوطنية، ظهر بين لحراطين علماء ومثقفون وسياسيون ورجال أعمال ونقابيون وحقوقيون، أكدوا من خلال عطائهم أن الكفاءة والإخلاص والعمل الجاد هي السبيل الحقيقي لخدمة الوطن، وأن قيمة الإنسان تُقاس بما يقدمه لمجتمعه، لا بأصله أو انتمائه.
ومن السمات التي ارتبطت بالحراطين، في الوجدان الوطني، نزعتهم إلى السلم والتعايش، وتحليهم بقيم التواضع وحسن الخلق، وحرصهم على الاستقرار الاجتماعي. وقد عُرفوا بإسهامهم في البناء والإنتاج أكثر من الانخراط في الصراعات، وظل حضورهم عاملًا من عوامل التماسك الوطني، وهو رصيد أخلاقي وإنساني يستحق التقدير، ويؤهلهم لمواصلة الإسهام في ترسيخ الوحدة الوطنية وتعزيز السلم الأهلي.
كما أن الحراطين يشكلون، تاريخيًا وثقافيًا، جزءًا أصيلًا من المكون العربي في موريتانيا، تجمعهم بمحيطهم اللغة العربية واللهجة الحسانية، والدين، والعادات، والتقاليد، والوجدان المشترك، وأسهموا في بناء هذا الإرث الثقافي وصيانته عبر التاريخ فمنهم أدباء وعلماء وأولياء معروفون عبر تاريخ موريتانيا. ومن ثم فإن محاولات تصويرهم بوصفهم قومية مستقلة، أو فصلهم عن محيطهم الحضاري، أو توظيفهم في مشاريع تقوم على الاستقطاب العرقي، تتعارض مع حقائق التاريخ والثقافة والواقع الاجتماعي، ولا تخدم إلا الانقسام وتقويض الوحدة الوطنية.
واليوم يمثل الحراطين قوة بشرية ووطنية كبيرة، ولا يمكن لأي مشروع جاد للإصلاح أو التنمية أن يحقق أهدافه من دون مشاركة جميع مكونات المجتمع، وهم من أهمها، على أساس المساواة وتكافؤ الفرص. فالدول القوية لا تُبنى بالإقصاء، وإنما بحسن استثمار طاقات جميع مواطنيها، وجعل الكفاءة وحدها معيارًا لتولي المسؤوليات.
ولا يمكن بناء مستقبل أكثر عدلًا وإنصافًا من دون الاعتراف بأن العبودية، وما خلّفته من آثار اجتماعية واقتصادية ونفسية، كانت واقعًا مريرا عرفته البشرية في مراحل مختلفة من تاريخها وتجاوزته بعض الدول كواقع، لكن لا تزال مخلفاته شاخصة حتى في دول متطورة مثل آميركا وبعض دول آميركا اللاتينية، وفي أوربا. ولم تكن موريتانيا بمنأى عن هذا الواقع و الإرث. غير أن مسؤولية الحاضر لا تتمثل في استدعاء الماضي لإدامة الانقسام، بل في تجاوز آثاره ومعالجة مخلفاته بروح العدالة والإنصاف، من خلال ترسيخ دولة القانون، وضمان تكافؤ الفرص، وتوسيع فرص التعليم والعمل، وتمكين جميع المواطنين من المشاركة الكاملة في الحياة العامة.. وهذه مسؤولية الدولة والمجتمع.
وفي هذا السياق، فإن المطالبة بالقضاء على مخلفات الرق وإنصاف المتضررين منها حق مشروع وواجب وطني وأخلاقي، لكنها يجب ألا تتحول إلى وسيلة للانتقام، أو إلى ذريعة لإثارة النعرات الشرائحية، أو نشر خطابات الكراهية بين أبناء الوطن الواحد، كما لا يجوز أن تُستغل هذه القضية العادلة النبيلة لتحقيق مكاسب شخصية أو سياسية ضيقة، لأن ذلك يسيء إلى عدالتها، ويصرفها عن أهدافها الحقيقية في ترسيخ المساواة والمواطنة وسيادة القانون.
إن الاعتراف بإسهامات الحراطين ليس منحة من أحد، ولا انتقاصا من مكانة أي مكون آخر، بل هو اعتراف بحقيقة وطنية مفادها أن ما تحقق فى موريتانيا كان بسواعد جميع أبنائها، وأن نهضتها لن تتم إلا بتكاتفهم جميعًا في إطار المواطنة والمساواة وسيادة القانون.
إن موريتانيا التي نستحقها هي دولة لا يُسأل فيها المواطن: من أنت؟ أو إلى أي شريحة تنتمي؟ بل يُسأل: ماذا قدمت لوطنك؟ وعندما يصبح العلم والكفاءة والنزاهة وحدهما الطريق إلى المسؤولية، نكون قد طوينا صفحات من الماضي، وفتحنا صفحة جديدة عنوانها المواطنة، والعدالة والوحدة الوطنية. وحينئذٍ يكون جميع الموريتانيين قد انتصروا لوطنهم، لا لمكوناتهم، وأسسوا دولة تليق بتاريخهم وتطلعات أجيالهم القادمة.