
قبل أيام وفي إطار عملي كصحفي، كنتُ أشرف على إعداد تقرير تلفزيوني عن سوق السمك في نواكشوط، كل من تحدثنا إليهم كانوا يشتكون من "نقص السمك في سوق السمك"!
أحد المتحمسين سأل على سبيل السخرية: أين ذهب السمك.. هل هاجر؟
ربما!
وزير الصيد أعلن الأسبوع الماضي، أمام البرلمان، أن مداخيل قطاع الصيد من العملة الصعبة خلال 2025 تجاوزت 800 مليون دولار!
شركة سنيم خلال طفرة أسعار خامات الحديد قبل عشر سنوات، لم تزد مداخيلها على مليار دولار سنويًا.
أكثر التوقعات تفاؤلا، تشير إلى أن مداخيل موريتانيا من الغاز في أحسن مراحل تطوير الحقل المشترك مع السنغال، لن تصل إلى مليار دولار.
ما معنى ذلك؟
معناه أن ماضينا المجيد في الحديد، ومستقبلنا المشرق مع الغاز، نعيشه حاضرًا مع الأسماك.. 800 مليون دولار ليست رقمًا عاديًا في بلد ما يزال خارج دائرة التصنيع والقيمة المضافة.
يمكنُ القول إننا الآن نعيش "فرصة ضائعة" أخرى.. مثل عشرات الفرص التي مرت دون أن تلفت انتباه أحد.
شيء آخر..
هل تعلمون أن أسعار الحديد والغاز متقلبة، والكمية محدودة، أما أسعار الأسماك فأكثر استقرارًا، وهي ثروة متجددة لا خوف عليها من أن تنفد، إذا أديرت بحكمة، وأُبعدت عن متناول أيدي السفهاء.
لا أعتقد أن السفهاء هم أصحاب القرار في الدولة، ولكن يبدو أن لهم بعض التأثير على القرار.
منذ أيام وبعض العقلاء والمشفقين (في مقدمتهم علي بن بكار) يحذرون من سفينة صيد صناعية عملاقة باسم (Margiris) دخلت المياه الموريتانية، تحمل علم ليتوانيا (الاتحاد الأوروبي)، وسبق أن طردت من عدة دول بسبب شكوك ومخاوف.
يوم 22 يناير الجاري، أصدر الائتلاف من أجل اتفاقيات صيد عادلة (Coalition pour des accords de pêche équitables)، تقريرًا حول اتفاقية الصيد بين موريتانيا والاتحاد الأوروبي، تحدث فيه عن خطر هذه السفينة، وأوصى بضرورة الحذر منها.
قال الائتلاف في تقريره إن السفينة لديها "سوابق دولية موثّقة"، تجعل الشكوك حولها مبررة:
- أستراليا علقت نشاطها عام 2012 بسبب مخاطر على مخزونات الأسماك السطحية الصغيرة وعلى النظام البيئي البحري.
- فرنسا فتحت تحقيقًا عام 2022 حول حادث تورّطت فيه السفينة في خليج بسكاي، تمثّل في التخلص العرضي من أكثر من 100 ألف سمكة نافقة.
أكد الائتلاف أن "الخطر يظل قائمًا" فيما يتعلق بمنح فرص صيد لسفن عملاقة مثل (Margiris)، حتى وإن كانت تستجيب للمعايير القانونية والاتفاقيات الدولية.
أمس بدأت اجتماعات بين موريتانيا والاتحاد الأوروبي، حول اتفاقية الصيد، في فندق (AC Hotel Iberia) التابع لمجموعة (Marriott) العالمية، طبعًا الفندق من فئة خمس نجوم، مع إطلالة ساحرة على شواطئ جزر الخالدات الدافئة.
على الضفة الأخرى من المحيط، يترقبُ آلاف الصيادين التقليديين نتائج المفاوضات، لعلها تنقذ ما تبقى من الثروة، وتضمن حفظ مصالح الصيد التقليدي الذي يواجه منافسة شرسة من أساطيل دولية محظورة في بقية العالم.
الصيد التقليدي يعد محركا أساسيا للاقتصاد الموريتاني، حيث يخلق أكثر من 47 ألف فرصة عمل مباشرة، وأكثر من 141 ألف فرصة عمل غير مباشرة، أي أن نسبة كبيرة من البيوت الموريتانية تعتمد على هذا القطاع المهدد اليوم من طرف وحوش الصيد الأوروبية والصينية والتركية.
وفيما تتزاحم هذه الوحوش، في ظل ضعف الرقابة وانتشار الفساد، يمكن أن نجد إجابة على السؤال: أين ذهب السمك؟!
الله المستعان
الشيخ ولد حرمة



.gif_pagespeed_ce_EybNdXZut_.gif)
